الشيخ محمد رشيد رضا
311
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لامر الوجود كله ، ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به ان يصرفه عن عمل يريده ، أو يحمله على أمر لا يريده ، أو يستقل بعمل دونه . تقول العرب : ملك فلان على فلان أمره . إذا استولى عليه فصار لا يستطيع ان ينفذ أمرا ولا ان يفعل شيئا الا به أو باذنه . قال ابن دريد في وصف الخمرة التي لم يكسر المزج حدتها ، ولم تبطل النار تأثيرها : لم يملك الماء عليها أمرها * * ولم يدنسها الضرام المحتضى وقوله تعالى « فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » أبلغ من مثل هذا القول لأنه نفى ان يملك أحد بعض أمره تعالى فضلا عن ملك أمره كله . فصار المعنى انه لا يوجد أحد يستطيع ان برد أمره أو يحوله عن ارادته بوجه ما ولو الدعاء والشفاعة ، إذ لا يستطيع أحد ان يشفع عنده الا بإذنه لمن ارتضاه ، فالامر في ذلك كله له وحده عز وجل . ويدخل في عموم ذلك المسيح نفسه وغيره من الأنبياء ، وكذا الملائكة عليهم السّلام . فإذا كان المسيح لا يستطيع ان يدفع عن نفسه الهلاك أو عن والدته كما أنه لا يستطيع غيره ان يدفعه عنه إذا أراد اللّه تعالى انزاله به ، فكيف يكون هو اللّه الذي بيده ملكوت كل شيء ؟ ومن غريب تهافت هؤلاء الناس انهم قالوا إن شر نوع من أنواع الاهلاك وهو الصلب نزل بالمسيح - الذي هو الكلمة ، واللّه هو الكلمة بزعمهم - ولم يستطع ان يدفعه من نفسه ، وأنه استغاث بربه خائفا وجلا ضارعا خاضعا ليصرف عنه ذلك الكأس فلم يجبه إلى ما طلب ! ! وهم يكابرون أنفسهم في دفع هذا التهافت بمثل قولهم : انه كان له طبيعتان ومشيئتان ، ثنتان منهما إلهيتان وثنتان بشريتان ، وليت شعري إذا كان هذا ممكنا فهل يمكن معه ان يجهل المسيح بطبيعته البشرية طبيعته الإلهية فيعترض عليها بمثل قولهم عنه في إنجيل متى ( 37 : 46 الهي الهي لماذا تركتني ) ويستنجدها غير عالم بما يمكن وما لا يمكن لها بمثل ما قالوه عنه في إنجيل متى ( 26 : 39 ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا : يا أبتاه ان أمكن فلتعبر عني هذه الكأس - إلى أن قال - 42 فمضى أيضا ثانية وصلى قائلا : إن لم يمكن ان تعبر عني هذه الكأس الا ان اشربها فلتكن مشيئتك ) وهذا أعظم